الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

63

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَابْنَ السَّبِيلِ هو المسافر يمر بحي من الأحياء ، فله على الحي الذي يمر به حق ضيافته . وحقوق الأضياف جاءت في كلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم كقوله : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة » . وكانت ضيافة ابن السبيل من أصول الحنيفية مما سنّة إبراهيم - عليه السلام - قال الحريري : « وحرمة الشيخ الذي سن القرى » . وقد جعل لابن السبيل نصيب من الزكاة . وقد جمعت هذه الآية ثلاث وصايا مما أوصى اللّه به بقوله : وَقَضى رَبُّكَ الآيات [ الإسراء : 23 ] . فأما إيتاء ذي القربى فالمقصد منه مقارب للمقصد من الإحسان للوالدين رعيا لاتحاد المنبت القريب وشدّا لآصرة العشيرة التي تتكون منها القبيلة . وفي ذلك صلاح عظيم لنظام القبيلة وأمنها وذبها عن حوزتها . وأما إيتاء المسكين فلمقصد انتظام المجتمع بأن لا يكون من أفراده من هو في بؤس وشقاء ، على أن ذلك المسكين لا يعدو أن يكون من القبيلة في الغالب أقعده العجز عن العمل والفقر عن الكفاية . وأما إيتاء ابن السبيل فلإكمال نظام المجتمع ، لأن المارّ به من غير بنيه بحاجة عظيمة إلى الإيواء ليلا ليقيه من عوادي الوحوش واللصوص ، وإلى الطعام والدفء أو التظلل وقاية من إضرار الجوع والقر أو الحر . وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً لما ذكر البذل المحمود وكان ضده معروفا عند العرب أعقبه بذكره للمناسبة . ولأن في الانكفاف عن البذل غير المحمود الذي هو التبذير استبقاء للمال الذي يفي بالبذل المأمور به ، فالانكفاف عن هذا تيسير لذاك وعون عليه ، فهذا وإن كان غرضا مهما من التشريع المسوق في هذه الآيات قد وقع موقع الاستطراد في أثناء الوصايا المتعلقة بإيتاء المال ليظهر كونه وسيلة لإيتاء المال لمستحقيه ، وكونه مقصودا بالوصاية أيضا لذاته . ولذلك سيعود الكلام إلى إيتاء المال لمستحقيه بعد الفراغ من النهي عن التبذير بقوله : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ الآية ، [ الإسراء : 28 ] ثم يعود الكلام إلى ما يبين أحكام التبذير